ابن حزم
125
رسائل ابن حزم الأندلسي
سأبعد عن دواعي الحب إني . . . رأيت الحزم من صفة الرشيد رأيت الحب أوله التصدي . . . بعينك في أزاهير الخدود فبينا أنت مغتبط مخلى . . . إذا قد صرت في حلق القيود كمغتر بضحضاح قريب . . . فزل فغاب في غمر المدود وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ، ولا أكاد أصدقه ، ولا أجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة ، وأما أن يكون في ظني متمكناً من صميم الفؤاد نافذاً في حجاب القلب فما أقدر ذلك ، وما لصق بأحشائي حب قط إلا مع الزمن الطويل وبعد ملازمة الشخص لي دهراً وأخذي معه في كل جد وهزل ، وكذلك أنا في السلو والتوقي ، فما نسيت وداً لي قط ، وإن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء ، وقد استراح من لم تكن هذه صفته . وما مللت شيئاً قط بعد معرفتي به ، ولا أسرعت إلى الأنس مذ كنت ، لا أقول الألاف والإخوان وحدهم ، لكن في كل ما يستعمل الإنسان من ملبوس ومركوب ومطعوم وغير ذلك ، وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق ( 1 ) مذ ذقت طعم فراق الأحبة ، وإنه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفعك يطرقني ، ولقد نغص تذكري ما مضى كل عيش استأنفه ، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ، ودفين الأسى بين أهل الدنيا . والله المحمود على كل حال لا إله إلا هو ؛ وفي ذلك أقول شعراً منه : [ من الطويل ] محبة صدق لم تكن بنت ساعة . . . ولا وريت حين ارتفاد ( 2 ) زنادها ولكن على مهل سرت وتولدت . . . بطول امتزاج فاستقر عمادها
--> ( 1 ) في أكثر الطبعات : والانفلاق - بالفاء - ولا أدري له معنى . ( 2 ) في الطبعات : ارتياد ، والارتفاد هو الاستعانة في القدح بحجر القدح عند استعمال الزناد .